ابراهيم بن محمد البيهقي
243
المحاسن والمساوئ
أحببت من مناظرتك في الطبّ . فكان أوّل ما سأله عن الشراب لعجبه به ، فقال : أيّ الأشربة أفضل عاقبة في البدن ؟ قال : ما صفا في العين واشتدّ على اللسان وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم . قال : فما تقول في مطبوخه ؟ قال : مرعى ولا كالسعدان . قال : فما تقول في نبيذ الزبيب ؟ قال : ميّت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد يقوى شيء بعد الموت . قال : فما تقول في نبيذ العسل ؟ قال : نعم شراب الشيخ للأبردة والمعدة الفاسدة . قال : فما تقول في أنبذة التمر ؟ قال : أوساخ يطيب مذاقها في اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولّد الأرواح في البطن لرقّتها . قال : فمن أيّ شيء يكون الثمل الذي يذهب الغمّ ويطيّب النفس ؟ قال : زعموا أن العقل تصعده سورة الشراب إلى الدّماغ الذي هو أصله بقوة الرّوح الذي جعل فيه ، فإذا صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل عن منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس ، والدليل على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئا ولا تصيبه جنابة فلا يزال العقل كذلك محتجبا حتى تفكّه الطبيعة من إسار السكر إمّا بقوّة فيعجل وإمّا بضعف فيبطئ . قال : فمن أيّ شيء الخمار من بعد صحو السكران ؟ قال : من إعياء الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلّصه حتى يردّها النوم إلى هدوء وما أشبهه . قال : الصّرف أفضل أم الممزوج ؟ قال : الصّرف سلطان جائر والجائر مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود . قال : فصف لي الأطعمة . قال : الأطعمة . قال : الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية . قال له : عمّن حملت الحكمة ؟ قال : عن عدّة من الفلاسفة . قال : فما أفضل الحكمة ؟ قال : معرفة المرء بقدره . قال : فما تقول في المال وفضله ؟ قال : أفضل المال ما أعطي منه الحقّ . قال : فما أفضل العطيّة ؟ قال : أن يعطى قبل السؤال . قال : فأخبرني عمّا بلوت من الزمان وتصرّفه ورأيت من أخلاق أهله . قال : بلونا الزمان فوجدناه صاحبا يخون صاحبه ولا يعتب من عاتبه ، ووجدنا الإنسان صورة من صور الحيوان يتفاضلون بالعقول ، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمّهات ولكنّها هي أخلاق محمودة ، وفي ذلك يقول ، أو قال أقول : لقد حلبت الزّمان أشطره * ثمّ محضت الصّريح من حلب فلم أر الفضل والمعالي في * قول الفتى إنّني من العرب حتّى نرى ساميا إلى خلق * يذود محموده عن النّسب ما ينفع المرء في فكاهته * من عقل جدّ مضى وعقل أب